ابو جعفر محمد جواد الخراساني
139
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
لا يدرك الذّات بأيّ مدرك * حسّ ووهم ، عقل أو قلب الزّكيّ لا لقصور المدركات ، نفسها * بل لعلوّ ذاته ، عن مسّها علوّ ذاته اقتضى حجابه * والخلق أيضا اكّد احتجابه الأصل في امتناع الادراك ، امتناع الذّات ، لا قصور المدركات ؛ وإن كانت هي قاصرة بالذّات [ دليل امتناع إدراك ذاته تعالى في مذهب أهل البيت ( ع ) ] اعلم : إنّ امتناع الادراك عند أهل البيت ( ع ) ، معلّل بامتناع الذّات وقصور المدركات معا ، والذوق السليم واللّب الفهيم ، يقضى بأنّ ما هو العمدة والأصل منهما ، هو امتناع الذّات ؛ إذ معه لا تصل النوبة إلى قصور المدركات ولا يبقى له مجال ؛ الّا أنّهم ( ع ) ، لم يكتفوا في التعليل بوجه واحد . وقصور المدركات عندهم أيضا بالذّات ، وان علّلوه أحيانا بالعوارض والتّبعات . [ دليل امتناع إدراك ذاته تعالى عند غيرهم ( ع ) ] وامّا غيرهم ، فحيث خفى عليهم الأمران : امتناع الذات وقصور المدركات بالذّات ، زعموا أنّ الامتناع ليس إلّا لقصور المدركات ، لأجل العوارض والتّبعات ، فإذ ارتفع المانع ، جاز الإدراك ، فذهبوا لأجل ذلك إلى جواز الرّؤية أو دعوى الكشف . ثمّ اعلم : أنّ المقصود هنا ، بيان امتناع الإدراك لا امتناع الذات ، وذلك لمّا تكلّمت على مذهبهم ( ع ) بالإجمال ، إنّ ذاته تعالى ممتنع الإدراك ، فأردت ان ابيّن معنى الامتناع ووجهه ؛ وامّا بيان قصور المدركات فسوف اتعرّض لواحد واحد منها بالتفصيل . [ بيان معنى امتناع الادراك ] لا يدرك الذّات بأيّ مدرك ، لأيّ بشر ، من حسّ ، ووهم ، عقل ، أو قلب العارف الصفيّ الزّكيّ عند أهل الكشف ؛ وذلك ، لا لقصور المدركات ، نفسها فقط ، بل لعلوّ ذاته تعالى وتقدّس عن مسّها ؛ فانّه لا يمسّ ولا يجسّ ولا يحسّ ولا يدرك بشيء من المدركات ، ولا يقع في إشارة ولا عبارة ؛ كما تقدّم عن أبي الحسن الثالث ( ع ) ؛ وقال أمير المؤمنين ( ع ) : « وفات لعلوّه على الأشياء مواقع رجم المتوهّمين » « 1 » . علوّ ذاته اقتضى حجابه
--> ( 1 ) . البحار 4 : 275 / 16 .